لماذا يتحاشى الأبناء الحديث مع آبائهم؟


إذا لم يُصغ الأهل لطفلهم، وإذا لم يجيبوا عن أسئلته أبداً، لا يبقى لديه إذن ما يقوله لوالديه، وتتوقف الاتصالات، ويصبح بيت العائلة فندقاً يأكل فيه وينام ويتلقى بعض التوبيخ، وقد يحصل على قبلة عاجلة.
عند ذلك يبحث الطفل في عالمه الخارجي؛ المدرسة، الزقاق، حيث يمكن له أن يتكلم ويصرخ ويوضح أفكاره.
لماذا يكون هذا عسيراً في البيت؟
لأن الطفل لا يتمتع بحق القول، أو القيام بحماقة ما، ولا يتقبلون دعابته، يطلب منه أبواه أجوبة ومسلكاً صحيحاً، ويعاقب إذا لم يتم ذلك، وهو بدوره يكتشف أنه يغامر في كل مرة يقول أو يفعل شيئاً، إن ما يراه هو تكيُّفٌ مع الواقع، أو لعبٌ يعتبره الآخرون جواباً سيئاً.
وبالفعل تطلب العائلة منه أن يسلك مسلك الكبار قبل بلوغه سنهم، وهذا وضع يمكن أن يقوده في بعض الأحيان للصمت أو الانطواء، أو الفصام، يدرك الطفل أنه يغامر كثيراً، ولكن من الأفضل له أن يسكت وألا يعطي رأيه، وما عليه إلا أن يدعهم يقررون، وأن يترك لهم السلطة، لكنه هنا أيضاً يغامر في أن يخيب أمل أهله.
ويجب أن تعمل الأم ما بوسعها من أجل أن يفصح ولدها عما بداخله، تسأله عما يدور في خلده، وتسأله إذا لم يكن هذا الشيء أو ذاك هو الذي يفكر فيه، وعندئذٍ ينتظر من الطفل أن يفهم، ماذا تريد أمه أن يقول لها، وما إن يعطي وجهة نظره حتى يعارض ويحكم عليه فلا يبقى أمامه إلا الرضوخ، وعلى هذا يفضل ألا يكون له رأي، وهذه مخاطرة كبيرة جداً.
لذلك علينا أن ننظر بكثير من الصبر عندما نناقش أبناءنا، خصوصاً من هم ما بين سن العاشرة والثانية عشرة، إلى أن يتلاشى تدريجياً هذا المحظور وهذا الرضوخ، وبالتالي نسمع صوتهم سواء كان نقاشاً أو معارضة.
ولكي نشجع الطفل على الإفصاح عما لديه، لابد من الإصغاء إليه والاهتمام بأسئلته وآرائه والإجابة عنها، وغاية في الأهمية أن نعرف كيف نتحدث إليه.
والاتصال هنا يتطلب وجود شريكين في الحوار يتحدثان معاً، يشتركان في عرض مشاكلهما، ولكن كثيراً من الأهل يريدون إكراه أطفالهم على الكلام ويحولون اللقاء والمحادثة إلى استجواب.
- ماذا عملت؟
- لماذا عملت هذا؟
- لماذا لا تتكلم؟
- قل لي بماذا تفكر؟
هذا الاستجواب يشعر الطفل بأنه أمام تصرفات بوليسية، فيعتقد أنه مذنب من غير أن يعرف ما هو ذنبه، لقد حوكم وقُيِّم وروقب. وبالتأكيد يتملكه شعور بأن الذي عمله أو قاله ليس له جودة ما يصنعه أو يقوله الكبار.
إن الحوار يعني أن يشرح كل واحد مشاعره، ويكشف عن مكنوناته، يتحدث عن مخاوفه وآماله وأحلامه، والكبار كالصغار لهم جميع هذه المشاعر، ومن الخطأ الظن أن على الأهل ستر بعض حقائق الحياة عن أطفالهم، إن الأطفال يفهمون جيداً مشاكل الأهل، وإذا كانوا لا يتحدثون عنها، فغالباً ما يكون ذلك خوفاً من جرح عواطف ذويهم عندما يظهرون لهم أنهم فهموا كل شيء، وأعتقد أن من واجب الأهل أن يشعروا أطفالهم بأنهم مستعدون للحوار معهم.
ولعله من المناسب عقد اجتماع أسبوعي لأفراد الأسرة يسهمون فيه صغاراً وكباراً، يشرح كل منهم ما بداخله، ويصغي باقي أفراد الأسرة لشرحه، ومن ثم يستمع هو لوجهات نظر أعضاء أسرته، على أن يكون لكل جلسة رئيس بالتناوب مع الآخرين حسب تسلسل أبجدية الأسماء، وتؤخذ القرارات بالتصويت... فمثل هذه الممارسات تأخذ طابع اللعب المسلي، وتعطي لكل فرد إحساسه بأهميته، وأن له دوراً فاعلاً يمارسه في أسرته، وأن آراءه محترمة كآراء الكبار.
الحقيقة أن كل شيء يتغير بهذه الطريقة الديمقراطية، ولم يعد الأهل يمارسون سلطة عمياء بسبب سوء اطلاعهم، بل يمارسها الحاضرون من الأفراد؛ الكبار والصغار، وهنا من المناسب أن نطرح ذلك بصورة جديدة من اللعب: تحت شعار الديمقراطية في الحياة العائلية، وقد يقتنع بها بعض أو جميع الناس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق