تحيز الأهل لأحد الأبناء تأثيرات تستمر مدى الحياة

الغيرة والحقد والجفاء هي المشاعر المسيطرة منذ الصغر على علاقة أمل بأختها، لا يعنيها أبدا أن تكون قريبة منها تشاركها أسرارها وأحلامها وبعضا من طموحاتها، بل على العكس تحاول قدر الإمكان تجاهلها والابتعاد عنها وتجريدها من مهام الأخوة التي تجمع بينهما فقط بالاسم، بدون أن يكون هناك تجسيد فعلي للمعنى الحقيقي لذلك الرابط القوي.
حواجز نفسية كثيرة تتعمد أمل أن تضعها بينها وبين أختها الكبرى، ربما لأنها تريد أن تبقى علاقتها بها رسمية خالية من مشاعر الحب والحنان، ليس فيها ذلك الانسجام الروحي الذي يلغي معه أي ضغينة من شأنها أن تتسبب في خلق الجفاء، وإحداث ذلك الشرخ بين قلوب اختارت أن تكون موطنا للقسوة والأحقاد لدرجة أنها ترفض أن تعطي نفسها فرصة تعيد من خلالها النظر في بعض التصرفات المؤذية التي تصدر عنها.
كل ذلك يكون بدون التفكير بالنتائج وبحجم الألم الذي ستوجده داخل تلك الروح التي لا ذنب لها سوى أنها تحظى بحب والدتها وعطفها، ذلك الحب الذي يميل من وجهة نظر أمل إلى التحيز المؤدي حتما إلى استثنائها من تلك المعاملة الخاصة التي تقتصر فقط على أختها دون غيرها.
هي دائمة البحث عن تفسير يقنعها يلغي معه كل تلك الأسئلة الموجعة والمحيرة إلى حد كبير، تفسير يجعلها متصالحة أكثر مع حقيقة أن هناك تمييزا واضحا يمارس ضدها وضد رغبتها في أن تكون مختلفة لها رأيها الخاص وشخصيتها المستقلة التي تتعارض في أغلب الأحيان مع نظرة والدتها الضيقة المحدودة.
لذا كل شيء حولها يدفعها إلى أن تسجن نفسها داخل فكرة واحدة، وهي أن لا أحد يحبها من أسرتها، فكرة مؤلمة تندرج تحتها الكثير من البنود التي تؤكد ذلك الاتهام، وتحوله إلى حقيقة غير خاضعة للشك أو المراوغة على الأقل من وجهة نظرها هي.
لماذا كل هذا الاستهتار بمشاعرها؟ سؤال قد لا تجد له إجابة محددة، لكنه رغم ذلك يصر على أن يقتحم وحدتها حتى وإن لم تكن تريد ذلك، ربما لتستطيع أن تفهم نفسها جيدا من خلال مصارحة ذاتية تقرر أن تعقدها لتكون فيها هي القاضي والمتهم في الوقت نفسه.
بعيدا عن لوم من حولها واتهامهم المباشر بتهميشها وتغييبها تماما عن دائرة اهتماماتهم التي يفضلون أن تقتصر فقط على من يستطيع أن يتوافق معهم فكريا ونفسيا، بدون أن يضطروا لإقناعه أو حتى مناقشته بأمور تتعلق به شخصيا وبنظرته تجاه الحياة.
حكمها على نفسها بالبقاء داخل تلك التفاصيل المتحيزة التي تستنكر وجودها، وتحاول بشتى الطرق إشعارها بأنها ليست معنية بإسعادها، يدفعها إلى التمسك أكثر بشخصيتها القاسية العنيدة المتمردة حتى وإن كانت تعرف أن ذلك سيضايق الكثيرين منها، وتحديدا والدتها التي تجد في تصرفها هذا تحديا واضحا لها.
لكنها رغم ذلك تقرر الاكتفاء بشعور الاحتياج النابع من ضعف ابنتها الأخرى ورضوخها التام لكل رغباتها ومخططاتها. تلجأ إليها دائما لأنها تعرف أنها ستؤيدها في كل شيء، وستسمح لها أيضا بالتدخل في شؤون حياتها كافة والمطلوب منها فقط هو إبداء الموافقة المسبقة على أي قرار تصدره والدتها، والشروع الفوري في تنفيذه حتى لو كان ذلك سيسلبها حقها في تقرير مصيرها، وسيرغمها على أن تتنازل عن طموحها في أن تكون ذاتها. قد يكون هذا ما يبرر فكرة التحيز التي تستفز أمل وتجعلها غير متزنة قلقة، تبحث عن الأمان الذي افتقدته بسبب إحساسها بأنها مستبعدة ليس لها مكان داخل تلك الأسرة التي تنبذ المختلف وتسفه فكره وتمنعه من التعبير عن نفسه بحرية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق