بالحب ننمي عقول أطفالنا

يبدأ الرضع منذ الشهور الأولى بالنظر إلى وجوه الأشخاص الذين يعتنون بهم، ويبدأون بالإنصات إليهم ومحاولة الابتسام والتواصل معهم، ولكن اذا لم يجدوا تجاوباً أو تفاعلاً من هؤلاء الأشخاص فإنهم وخلال أسابيع قليلة يفقدون الاهتمام بمحيطهم، وتقل حركتهم حتى أن بعضهم يفقدون القدرة على تحريك رؤوسهم.
واستنتج عالم النفس الأميركي ستينلي غريتسبان، أن تطور الطفل الجسدي والحسي والعاطفي يعتمد على الأسابيع والشهور الأولى من حياته، فإذا وجد الطفل في هذه المرحلة المبكرة من يهتم به ويتفاعل معه عاطفياً سيزداد اهتمامه بالوسط المحيط به، وهذا الاهتمام سينمي قدراته الحركية والسمعية والبصرية والعاطفية وحتى إمكاناته العقلية.
ما علاقة الحب بنمو الدماغ؟
عندما يسمع الطفل الباكي صوت أمه يهدأ، لأن صوتها يشعره بالراحة والأمان، وعندما تحمله بين ذراعيها يشعر بسعادة غامرة وتزداد سعادته عندما تضمه إلى صدرها الدافئ، وتنظر إلى وجهه بعينين يملؤهما الحب والاهتمام، وعندها سيبدأ الطفل بالتحديق في وجه أمه ويطيل النظر في ملامحها متنقلاً من عينيها إلى ابتسامتها وفي أثناء ذلك يصغي إلى صوتها وهي تكلمه ويرد على ابتسامتها بابتسامة، وقد يرفع يده ويتلمس عنقها ووجهها، وهذا النظر والإصغاء والحركة يفعل وينمي قشرة دماغ الطفل وفيها الكثير من الدارات العصبية.
إن إحاطة الطفل بجو من الحب والعطف والحنان يغري حواسه الناشئة بالانخراط في العالم المحيط به، وهكذا تنمو هذه الحواس وتتطور، يجب أن تدرك كل أُم أن الأوقات التي يقضيها رضيعها بين ذراعيها وهي تداعبه وتشعره بالأمن والراحة هي الأوقات التي ينمو فيها دماغه وتتطور حواسه وإمكانياته.
لقد وجد الباحثون أن الرُّضع الذين يُتركون في المياتم بدون وجود أمهات أو آباء يقدمون لهم العطف والحب والحنان يتأخر نموهم الجسدي والعقلي والعاطفي، ويصابون بالأمراض أكثر من أقرانهم، ومع أن هؤلاء الأطفال تُعلَّق فوق أسرَّتِهم الكثير من الألعاب المثيرة التي تصدر أصواتاً وألواناً مختلفة إلا أَنهم لا يهتمون بذلك، لأن ما يريده الطفل هو التفاعل العاطفي مع شخص يحبه ويقدم له العطف والحنان.
إن أكثر الأُمور إثارة فيما يتعلق بحاجة الطفل إلى التفاعل العاطفي منذ أسابيعه وشهوره الأولى هو أن الدراسات الحديثة تشير إلى بطلان الاعتقاد القديم بأن الارتكاسات المعرفية والعاطفية تكون منفصلة بعضها عن بعضٍ عند الطفل فالعلماء يعتقدون اليوم أن الطفل عندما يتلقى المعلومات بواسطة حواسه فإنه يتفاعل معها عاطفياً "كأن يشعر بالفرح عند سماع صوت أمه، أو بالانزعاج عند سماع صوت غريب" ومعرفياً في الوقت نفسه، ولعل التفاعل المعرفي هنا يحتاج إلى شيء من التوضيح، عندما تتحدث عن القدرات المعرفية عند الإنسان فإننا نقصد تلك القدرات المتعلقة بالذكاء كالقدرة على التحليل والاستنتاج وربط الأسباب بالنتائج وغيرها، لقد كان العلماء يظنون سابقاً أن هذه القدرات تبدأ بالتشكُّل والنمو عند الطفل بعد شهور من ولادته عندما يصبح قادراً على استخدام يديه والتقاط الأشياء، لكنهم يعتقدون اليوم أنها تبدأ بالتشكل والنمو قبل ذلك بكثير.
والطفل يحتاج إلى كثير من الحب والحنان والاهتمام في هذه المرحلة الحساسة، وبما أن هذه المشاعر لا يمكن تأمينها في بيت يملؤه الشقاق والخصام نستطيع أن ندرك الآن أهمية تحقيق علاقة زوجية قائمة على المودة والرحمة، ليس من أجل سعادة الزوجين فقط وإنما لتأمين جو عاطفي يخرج أطفالاً أسوياء.
ساعة اللعب على الأرض
أريد أن أشير إلى أمر لا ينتبه إليه معظم الآباء والأمهات؛ إذ إنهم في غمرة أشغالهم لا يقضون أوقاتاً كافية في ملاعبة أطفالهم والتفاعل معهم فيحاولون التعويض عن ذلك بحشد ما يستطيعون من الألعاب والدمى في غرفة الطفل، ويبذلون جهدهم في اختيار الألعاب التي تنمي ذكاء الطفل وشخصيته، وكل ذلك جيد ومفيد، لكن أبحاث عالم النفس أثبتت أن أكثر ما ينمي شخصية الطفل وقدراته الاجتماعية والعاطفية والمعرفية هو اللعب معه مباشرة على الأرض، وهو ينصح الآباء والأمهات أن يخصصوا ساعة يومية لأطفالهم يسميها (ساعة اللعب على الأرض) يقوم خلالها الأب والأم بالزحف على الأرض والركض خلف الطفل والتدحرج معه والاختباء منه، ويحاول في أثناء ذلك أن يتحدث إلى الطفل ويحاوره ويمارس معه كل أنواع التفاعل العاطفي، إن ساعة من هذا التفاعل الحقيقي مع الطفل أفضل بكثير من ترك الطفل وحده ساعات وساعات أَمام لعبة جامدة لتطوير الشخصية والذكاء!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق